في” قصائد موحشة”  لنور الدين بالطيب شعرية الايحاش 

“ ياغربة الروح في دنيا الحجر

والثلج والقار والفولاذ والضجر”

السياب

تتميز حركية الشعر  الحديث في تونس بحضور جمالي لافت ، و بقدرة هائلة قابلة لتنشيط وإغناء الفضاء الشعري المحلي والعربي ،مما أهله أن يبتعد  عن الضباب الخادع ، والاقتراب من الاشتغال الشعري على مرجعيات متنوعة ونوعية .

ونذكر على سبيل المثال لا الحصر ، بعضا من الشعراء والشواعر المجتهدين  والنوعيين، بالغي الخصوصية في المشهد الشعري التونسي من قبيل : منصف الوهايبي ،آدم فتحي ، فوزية العلوي ، سامية ساسي ،  المنصف المزغني ، محمد الغزي ، ونور الدين بالطيب من خلال مجموعة من الباقات الشعرية التالية :

- قصائد موحشة ، الصادرة عن الدار العربية للكتاب ، الحائزة على الجائزة الوطنية مناصفة في دورتها الأولى سنة 1993

- أمطار الصيف ، عن المكتبة المتوسطية بتازركة سنة 1997

- أنت ... أيتها العزلة ، في 1998

- كعشبة ... في الرمال ، 2004

- صلوات للرمل .. وللذكرى ، الصادرة عن دار آفاق برسبكتيف 2014

مجاميع ارتأى الشاعر إعادة إخراجها بإلحاح من أصدقائه بعد نفاذها من سوق القراءة في كتاب شعري صدر مؤخرا عن دار خريف للنشر ، وبذلك يكون نور الدين بالطيب

واحتفاء بهذه التجربة ، اخترنا الاشتغال على شعرية الإيحاش في ديوانه الأول “ قصائد موحشة “

العتبة العنوانية

--

حظيت عتبة العنوان في الدراسات النقدية الحديثة باعتبارها “ مفتاحا اجرائيا في التعامل مع النص في بعديه الدلالي والرمزي “ حسب عبدالرحمان طنكول ، مما يبرمج القارئ للقاء طويل مع النص.

وعلى هذا الأساس جاءت جملة العنوان “ قصائد موحشة “ ، مركبا من  موصوف  هو “ قصائد “ ويحيل على الشعر  وسقوف المجازات والاستعارات ، وصفة هي “موحشة “ مشتقة من الإيحاش وتدل على الوحشة  والوحدة  والغربة وغياب الأنس .

أضف إلى ذلك ، أن  العتبة العنوانية  تحمل مفارقة لافتة ، فالشعر عادة هو فعل تواصل وتشارك ، في حين تشير الوحشة إلى الانقطاع والعزلة ، مما يتصيد المتلقي لفك هذه الشفرة المفارقة .

تجليات    الإيحاش :

--

بداءة ، دعونا نتفق على أن الشعرية الحديثة ، تحركت نحو مجالات جديدة وتقانات فاعلة ، ولعل المتلقي للديوان الشعري الحديث، يقف على تيمات ميزت قصائده من قبيل : المدينة ، الوطن ، القضية الفلسطينية ، الحرية والتمرد ، القلق الوجود ، والاغتراب والإيحاش  الذي يعني الشعور بالوحشة والقلق و الفراغ ، والوحدة والفقد ، وهي التيمة المهيمنة في ديوان “ قصائد موحشة “، فماهي تجلياتها ومظاهرها ؟

أ- الإيحاش الذاتي :

---

يشكل الإيحاش الذاتي في “ قصائد موحشة “ أفقا جماليا وسؤالا خصوصيا ، يتجلى في رسم أحوال الذات الشاعرة ومكابداتها ، وماتعانيه من ألم واغتراب ، يحدث بفعل تباعد المرء عن طبيعته ، ومن ثم يصبح الاغتراب  والإيحاش جملة من التجارب التي يعايش بها الفرد ذاته ،  باعتبارها غريبة عنه على نحو ما يتصوره “ ماركس”، يقول الشاعر :

“ وحدي ...

لا ضوء يضيء ظلام البيت

وشموع أمي انطفأت

وانكسرت ...

قناديل الزيت “ ص 54

التشكيل الوصفي الذي يصفه الراوي الشعري هاهنا ،  يرسم بدقة  أجواء الوحدة ، إذ يتحول البيت إلى ظلمة دامسة “ لا ضوء يضيء ظلام البيت “ ، يؤكدها انطفاء شموع الأم ، وانكسار قناديل الزيت ،مما يحيل على التقاط  صور  الشعور بإيحاش الذات الشاعرة قاتما وماثلا ، ويدعم تماهيها مع المكان الغير الأليف ، مما يكشف عن جوهر هذا الاغتراب مزحوما بثراء شعري ، تمكنت الكاميرا من تصويره مضمخا بالأسى والحنين للضوء .

ب - الإيحاش العاطفي :

--

ايتجلى في الشعور بالعزلة والانفصال عن  الحبيبة والأصدقاء ، ومايصاحبه من حزن وتأمل في الذات ، يقول الشاعر :

“ تأخر الليل

( قالت أمه)

فهل ينام علي ؟

كيف ينام

والتي يحب بعيدة ص18

يلخص هذا المقطع مشهدا ضاجا بتوكيد غياب عشيقة “ علي” ، ومعاناته من الأرق  ،  كما تبرز صورة الأم وهي تغذي هذا الغياب   ،و تعكس مشاركتها لعلي تجربة الأرق ، تلك التجربة المنتجة للإيحاش ، مما يؤكد فعالية الأمومة التي  تبرزها الحساسية الاستفهامية “ فهل ينام علي؟” ، مما يعمق أكثر فأكثر  سواد الحالة النفسية ل” علي” التي تتساوق وحضور  امتداد الليل” تأخر الليل “ .

وفي قصيدته المعنوان ب” قصائد الحنين  “ يواصل الإيحاش عمله في هذا الإطار ، يقول الشاعر :

“معتاد كل صباح أن أجلس في المقهى

منتظرا مجيء الأحباب

ومرة ...

مرة أشربها قهوتي

تشبه العذاب “ ص15

تنبري الذات الشاعرة لتعرض خطابها الأنوي المتجه إلى انتظار الأحباب ، وتوكيد مرارته التي تشبه مرارة فنجان القهوة ،ومن ثم بوسعنا أن نتلمس تجليا واضحا لمحرقة الذات الشاعرة “ مرة قهوتي تشبه العذاب “ ، ليكون قطب الرحى في تجسيد الوحدة  والإحساس بالعزلة التي تشتغل عليها القصيدة .

الأيحاش المكاني

---

تعد المدينة مسكن الإنسان الطبيعي ، وقد تضافرت مجموعة من العوامل على نشأتها بقصد توفر الطمأنينة والتواصل ، بيد أنها أصبحت فيما بعد فضاء ثقل إنساني خلال القرن العشرين  ، مع تسارع التطور العلمي والتكنولوجي ، ثم تعمق الشعور بعد توالي الحروب والمآسي .

ولعل الشاعر العربي لم يبق بمعزل عن هذه المتغيرات ، مما جعله ، يستحضرها في قصائده ويتخذ منها موقفا سلبيا وعدائيا ، ويجسد اغترابه وما أحدثته من نقمة الحضارة من تمزقات نفسية بعيدا عن الألفة والتمتع بها والاتحاد فيها .

وأمام هذا الإيحاش والاغتراب نقرأ للشاعر في قصيدته  “ سنة أخرى “ :

“ سنة أخرى

ستظل تمسك قلبك الدامي

كلما أقفرت الشوارع

أو بكت في عرائها الريح

سنة أخرى

هنا في الحدائق بلا بيت

ولا مفتاح “ ص 22

من يقرأ هذا المقطع من قصيدة “سنة أخرى   “ يحس بتحول المكان إلى فضاء خال “ أقفرت الشوارع “ ،  والريح إلى ويتضاعف هذا التحول المقفر الذي يشيده  ويفرضه العراء “ هنا في الحدائق بلا بيت ولا مفتاح “ ، مما يفسح المجال للذات الشاعرة كي تعبر عن نفسها كقارة منسية ومهملة  ، مما يجعل اغترابها قلبا جريحا ويذكي إيقاع القصيدة في دمها ، ويعبر عن العلاقة المتوترة بالمكان ، مما يختزل العيش في أمكنة تخلو من ملامح المألوف ، وصعوبة التأقلم مع المحيط ، وهو تعبير عن صدمة حضارية لحقت الذات الشاعرة جراء التحولات التي عرفتها المدينة التي يعيش فيها .

ومرة أخرى وبشكل أدق يغيب التواصل في المدينة رغم أنها تعج بالناس حتى أن الذات الشاعر لا تجد من يرد عليها التحية والسلام عدا قطار الليل ، مما يجسد غربتها الروحية العنيفة في مدينة تشبه جسدا بلا روح ، وما آلت إليه الأوضاع على مستوى  قيم التواصل والرحمة بين ساكنتنا التي وصلت إلى الحضيض ، ومن ثم ، أضحت مدينة بلا قلب على حد تعبير الشاعر عبد المعطي حجازي ، يقول الشاعر:

“ ياقطار منتصف الليل

ياصديقي الوحيد

حين تعود بي مثقل القلب

شريد

ياقطار

ناديتهم

ألقيت عليهم سلامي

ولم يجبني سوى

صدى صوتي البعيد

ياقطار منتصف الليل

ياصديقي الوحيد “ 14

 

 ج- إيحاش الطبيعة

---

بدورها تسهم الطبيعية في بناء هذا الشعور بالإيحاش ، وعلى هذا النحو خاطب الشاعر الشاعر الليل ،ا لمطر ، الصباح ، الرمل ،  الصحراء ، البحر ،النخل ، الشتاء ، الشجر ..  لا تظهر بوصفها عناصر طبيعية فحسب ، بل عناصر طبيعية تفيض بالحزن والاغتراب والإيحاش ، يقول الشاعر :

“ دائما ..

وفي كل صباح..

أقول لصورتها في رأسي

صباح الخير البارحة

لم تأت

فلماذا تركت عصافيري

تنوح على الشرفات “ ص 59

إن صباح الذات الشاعرة مطوقة بالفقدان  والذكريات الهاربة “ أقول لصورتها في رأسي “ ، وخيبة الأمل “ لم تأت” ،

وعليه ، فإن المتلقي أمام حلقة مفرغة من الحب والأنس ، ومكتظة بالفقد ، والغياب ، ولا شيء سوى بكاء العصافير على الشرفات ، وكلها حلقات جارحة تلف وجدان الذات الشاعرة، جراء التلاشي داخل الذات وخارجها .

على سبيل الخاتمة :

---

من هنا يظهر أن يبحث عنه الشاعر نور الدين بالطيب ، هو اغترابه الذي يتمثل في انعزاله واغترابه من خلال الوقوف عند ذاته ومدينته ، وهدفه في آخر المطاف هو التدليل على توترات الإنسان الحديث ، واختزالا لملامح الوجود الإنساني والنبش في مكامن علاقته بما يحيط به .

بقلم: عبد الله المتقي ( شاعر وكاتب مغربي)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115